يحيى بن معاذ الرازي

54

جواهر التصوف

ثالثها : خوفه أن تجره هذه السيئة بعيدا عن طاعة مولاه ؛ لأن السيئة لا تلد إلا سيئة مثلها . والخوف حسنة لأن الأعمال الصالحة مدارها عليه ، قال تعالى : وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 175 ] . * ويرجو أن يعفى له عنها : والرجاء حسنة ، والكلام عن هذه النقطة سيرد في باب الرجاء عقب هذا الباب مباشرة . * * * 68 - قال يحيى بن معاذ : « يتولد الخوف من القلب من ثلاث خصال : إدامة الفكر معتبرا ، والشّوق إلى الجنة مشفقا ، وذكر النار متخوّفا . » [ الحلية 10 / 67 ] . * قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه اللّه - في منهاج العابدين : « النّفس أمّارة بالسّوء ، ميّالة إلى الشّرّ ، طمّاحة إلى الفتنة ، فلا تنتهى عن ذلك إلا بتخويف عظيم وتهديد بالغ ، وليست هي في طبعها حرة يهمها الوفاء ، ويمنعها الحياء عن الجفاء ، إنما هي كما قال القائل : العبد يقرع بالعصا * والحرّ تكفيه الإشارة * إدامة الفكر معتبرا من مولّدات الخوف : أي باحثا عن العبرة والعظة فيما يجريه القدر عليه وحواليه ؛ كموت من هو في سنّه من أهله ومعارفه ، ومن يكون أصغر منه سنّا . . بعد مرض أقعده ، أو فجأة في حادث أو بسكتة قلبية - كما يسمونها - واسمها على الحقيقة : الموت . . ومن أراد واعظا فالموت يكفيه . والخوف من الموت لذاته فإنه هاذم اللذات ، ومن الموت لما بعده من حساب وجزاء . . فعند ذلك يتعجل التوبة ، ويقبل على العبادة ، والحديث الشريف « . . صلّ صلاة مودّع » ويقول أبو علي الدقاق : الخوف أن لا تعلل نفسك بعسى وسوف . ومن حديث أبي هريرة يرفعه « بادروا بالأعمال سبعا : هل تنتظرون إلا فقرا منسيّا ، أو غنى مطغيا ، أو مرضا مفسدا ، أو هرما مقعدا ، أو موتا مجهزا ، أو الدّجّال ، فشرّ غائب ينتظر ، أو الساعة ، فالساعة أدهى وأمرّ » ( رياض الصالحين ) . كما أن في كوارث الطبيعة - كالزلازل وغيرها - تذكرة للنّفس وتخويفا لها . * « الشوق إلى الجنة مشفقا » فهو يشتاق إلى الجنة ويشفق أن يزحزح عنها إلى النار ، كما أن الخوف متى كان لفوت محبوب أو مرغوب فهو الإشفاق ، قال تعالى على لسان أهل الجنة : قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ [ الطور : 26 ، 27 ] . * « وذكر النار متخوفا » قال أبو حفص : الخوف سوط اللّه يقوّم به الشاردين عن بابه . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « شيبتنى هود وأخواتها قبل المشيب » لما ورد في آياتها من ذكر النار ، وكان خوفه صلى اللّه عليه وسلم على